محمد الغزالي
409
فقه السيرة ( الغزالي )
بما اعتذر إليه المخلّفون ، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لك . قال : فو اللّه ما زالوا يؤنّبونني حتى أردت أن أرجع فأكذّب نفسي . ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم رجلان قالا مثل ما قلت ، فقيل لهما مثل الذي قيل لك ، فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العامري ، وهلال بن أمية الواقفي ، فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرا ، فيهما أسوة ! ! . فمضيت حين ذكروهما لي . ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المسلمين عن كلامنا - أيّها الثلاثة - من بين من تخلّف عنه . فاجتنبنا الناس ، وتغيّروا لنا حتى تنكّرت لي الأرض ، فما هي بالتي أعرف ! فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأمّا صاحباي فاستكانا ، وقعدا في بيوتهما يبكيان . وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج أشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ، ولا يكلّمني أحد ، واتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه برد السلام أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه ، فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عني . حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة - وهو ابن عمّي وأحبّ الناس إليّ - فسلمت عليه ، فو اللّه ما رد عليّ السلام ! فقلت : يا أبا قتادة أنشدك اللّه ، هل تعلمني أحبّ اللّه ورسوله ؟ فسكت . فعدت له ، فنشدته فسكت ، فعدت له فنشدته ، فقال : اللّه ورسوله أعلم ! ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت الجدار . فبينا أنا أمشي بسوق المدينة ، وإذا نبطي من أنباط الشام ، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلّ على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسان ، فإذا فيه : أما بعد : فإنّه بلغني أنّ صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك اللّه بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك . فقلت لمّا قرأتها : وهذا أيضا من البلاء ، فتيممت بها التنور فسجّرتها . حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقلت : أطلقها أم ماذا ؟ قال : لا ، ولكن اعتزلها ولا تقربها .